recent
أخر المقالات

حق الدفاع الشرعي في القانون الدولي الجنائي - الجزء الأول

 للدفاع الشرعي أهمية بالغة في القانون الجنائي الدولي؛ لكونه الاستثناء الوحيد الوارد على تحريم استخدام القوة في العلاقات الدولية المعاصرة، ولم يستقر هذا المبدأ في القانون الدولي الا في وقت متأخر، فقد كان استخدام القوة هو السائد في العلاقات الدولية إذ لم تكن الحرب وسيلة مشروعة فحسب بل كانت واجبة، فالحرب سابقاً كانت حقاً وعدلاً سواء بوشرت ونفذت وفقاً لشكليات اقتضاها نظام قانوني معين أم أنها نشبت لأسباب معقولة تتعلق بمعتقدات دينية أو بمبادئ مجتمع من المجتمعات بوصفها وظيفة دائمة من وظائف الوجود الإنساني، وأنها ضرورية ونافعة.

الدفاع الشرعي في القانون الجنائي الاتفاقي - الجزء التاني

حق الدفاع الشرعي في القانون الدولي الجنائي
حق الدفاع الشرعي في القانون الدولي الجنائي


حق الدفاع الشرعي في القانون الجنائي

وقد وصفت الحرب بمفاهيم متعددة من أجل الاحتكام إليها في تحقيق وحماية مصالح دول معينة، فت ارة يطلق عليها (الحرب العادلة) لتبرير اللجوء إليها، وت ارة توصف بكونها إج ا رءً انتقامياً ضد الآخرين، وبالنظر إلى الآثار المدمرة التي خلفتها الحرب، فقد نادى الفلاسفة والكتاب الى منعها وتجريمها، وكان الإسلام أول من ولج هذا المضمار فحرم الحرب، تحريما يكون قاعدة عامة في علاقات الدولة الاسلامية قال تعالى: {يَا أَيهَُّا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّة } {البقرة/ ٢٠٨ } واجازها في حال واحدة فحسب هي حال الدفاع الشرعي كقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}{البقرة / ١٩٠ } وقول ﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ {البقرة/ ١٩٤ وبعد ذلك جاء ميثاق الامم المتحدة فحرم الحرب تحريماً عاماً وأجازها في حالة الدفاع الشرعي، وبعدها جاءت المادة " ٣١ " من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية مبينة الدفاع الشرعي وحالات استعماله.

وعلى ذلك سنتناول موضوع الدفاع الشرعي في القانون الجنائي الدولي في مبحثين الأول نخصصه لمفهوم الدفاع الشرعي والثاني الدفاع الشرعي في القانون الجنائي الاتفاقي.

مفهوم الدفاع الشرعي 

من المبادئ المستقر عليها في القانون أنه لا يجوز للشخص أن يقتص لنفسه فكل القوانين الجنائية ترفض فكرة الانتقام حتى لا تسود المجتمع الفوضى وعدم الاستقرار، إذا أصبح كل من يتعرض للاعتداء لازماً عليه أن يدفعه بنفسه، بل يجب رفع الأمر إلى السلطة المختصة، لدفع الاعتداء عنه والاقتصاص من الجاني، غير أن الدفاع الشرعي هو استثناء من الأصل العام، إذ يجوز لمن وقع عليه الاعتداء أن يدفعه بنفسه إذا ما ت وافرت شروط معينة من دون حاجة اللجوء إلى السلطات المختصة. فالدفاع الشرعي هو الحق باستعمال القوة اللازمة الذي يقرره القانون لمصلحة المدافع لرد الاعتداء الحال على نفسه أو ماله أو على نفس الغير أو ماله. لذلك يمكن تعريفه: بأنه استعمال القوة اللازمة لصد خطر حال يهدد النفس أو المال، ويتضح من تعريف الدفاع الشرعي أن القانون قد خول الشخص مهمة التصدي للأخطار التي تهدد النفس وما هو لصيق بها من ( حقوق أو التي تهدد المال.(  وللإحاطة بمفهوم الدفاع الشرعي يقتضي الأمر بيان طبيعته وأساسه وتمييزه عن غيره من الأوضاع المشابهة له في القانون الجنائي الدولي وكذلك بيان الشروط التي يتطلبها القانون لاستعمال حق الدفاع الشرعي وهذا ما سنتناوله في المطلبين الآتيين.

طبيعة وأساس الدفاع الشرعي

يعد الدفاع الشرعي حقاً عاماً يقرره القانون في مواجهة الكافة ويلتزم الناس باحترامه وأن المشرع أجاز استعماله لرد الاعتداء الذي يهدد النفس والمال ولم يشرع للانتقام أو لمعاقبة ( المعتدي.( وقد اختلف الفقه في طبيعة الدفاع الشرعي، فالبعض عد الدفاع الشرعي في القانون الجنائي الدولي هو ذاته في القانون الجنائي الداخلي أي أن طبيعة الدفاع الشرعي واحدة في كل من القانون الداخلي والقانون الجنائي الدولي إذ يعد استثناءً من النظام العام وأن الشخص الذي ( يمارسه إنما يمارس حقاً.( بينما يرى البعض أن هناك اختلافاً كبيرًا بين الاثنين، ففي القانون الجنائي الدولي يعد الدفاع الشرعي مفهوماً خاصاً له صفاته المستقلة تمَيزه عن الدفاع الشرعي في القانون الجنائي الداخلي ويرى أصحاب هذا الرأي أن للدفاع الشرعي مجالاً أكبر للتطبيق مما هو عليه في القانون الجنائي الداخلي إذ يعد استثناء ملائماً من التزام مفروض طبقاً للقانون الجنائي الدولي، ويبرر تصرف الشخص غير المشروع، ويميزون بين الدفاع الشرعي الذي ينشأ فقط في القانون الجنائي الدولي وبين الدفاع الشرعي الذي ينشأ فقط في القانون الجنائي الداخلي، ففي مجال القانون الجنائي الداخلي فإن حق الدفاع الشرعي يهدف إلى منع وقوع الجريمة ضد المعتدى عليه، فإذا ما وقعت الجريمة (أي: الاعتداء) فإنه ليس للمعتدي عليه ملاحقة الجاني بحجة الدفاع الشرعي لأن مثل هذا العمل يعد أخذاً بالثأر وهو عمل محرم في القانون الجنائي الداخلي.

وتختص السلطة في معاقبة الجاني، في حين أن تنفيذ الاعتداء في القانون الجنائي الدولي لم ينه .( حق الدفاع الشرعي للمعتدى عليه كما هو الحال بالنسبة للدول المحتلة أراضيها( وفيما يتعلق بأساس حق الدفاع الشرعي فيرى بعض الفقهاء أن الإك ا ره المعنوي الذي يقع على شخص القانون الجنائي الدولي أساساً ملائماً لحق الدفاع الشرعي إذ إن الدولة بوصفها من أشخاص القانون الدولي تتمتع بالشخصية المعنوية حسب اعتقادهم، ولكن يرد على هذا أن الدولة ليس لها طبائع غ ريزية وأن الإكراه المعنوي لا يقع إلا على الشخص الطبيعي وبالتالي لا ينتابها الخوف من جراء العدوان، وتتصرف تحت تأثير الرعب كما يتصرف الأفراد نتيجة خوفهم  وحبهم في البقاء.

ويرى البعض الآخر أن أساس الدفاع الشرعي يقوم على فكرة المصلحة الأجدر بالرعاية على أساس أن الدفاع الشرعي يرتكز على فكرة الموازنة بين المصالح المتنازع عليها إذ يفضل مصلحة المعتدى عليه، أي: يعد أولى بالرعاية من مصلحة المعتدي، وعليه تعد مصلحة الدولة المعتدى عليها أولى بالرعاية من مصلحة الدولة المعتدية بالنسبة للمجتمع الدولي، فالقانون لا يلزم من يتعرض لخطر اعتداء أن يتحمله ثم يتخذ من بعد ذلك من الإجراءات ما يستهدف به عقاب المعتدي أو تعويض الضرر. ولكنه يعطيه الحق في أن يستعين مباشرة بالقوة اللازمة ( للوقاية من الاعتداء لكون مصلحته أولى بالحماية من مصلحة المعتدي.

تمييز الدفاع الشرعي عن الأوضاع المشابھة له

هناك بعض الأوضاع التي تشبه حال الدفاع الشرعي كالضرورة و التدخل والمعاملة بالمثل لذا ينبغي تمييز الدفاع الشرعي عن تلك الأوضاع.

أولا :- تمييز الدفاع الشرعي عن حال الضرورة:

يميز الدفاع الشرعي في القانون الجنائي الداخلي عن حال الضرورة؛ لكونه من الأسباب الموضوعية التي تؤدي إلى انتفاء المس ؤ ولية الجزائية، فهو من طبيعة موضوعية يتصل بالفعل فيجعله مبررًا فلا يقتصر أث ره في الشخص الذي يستعمل حق الدفاع الشرعي، وإنما يستفيد منه جميع المساهمين مع مستعمل حق الدفاع الشرعي في حين حالة الضرورة تعد من الاسباب الشخصية التي تؤدي إلى امتناع المسؤولية الجزائية. فالفعل يبقى مجرماً، فلا يستفاد منه إلا الشخص الذي توافرت له شروط معينة من دون غيره من المساهمين. وفي القانون الجنائي الدولي تكون الدولة في حال ضرورة إذا كانت مهددة بخطر جسيم يمكن أن يعرض بقاءها للخطر ولا يكون لإرادتها دخل في نش وئه، ويفترض الدفاع الشرعي خطر اعتداء يعد جريمة دولية في حين لا تفترض حال الضرورة كون الخطر ذا صفة إجرامية إنما تفترضه ناشئاً عن ظروف لا تنتسب إليها الصفة الإجرامية.

وبالرغم من اشتراك كليهما في أساس واحد هو المصلحة الأولى بالرعاية فإنه يجب عدم الخلط بينهما لأن الدفاع الشرعي يتمثل في رد عدوان غير مشروع بينما في حال الضرورة يجب أن يصد خطرًا جسيماً وٕ ان كان غير مشروع، وعليه فإن العدوان لا الخطر هو الذي يميز الدفاع الشرعي عن حالة الضرورة. وحكم الدفاع واضح فهو سبب إباحة يعترف به القانون الجنائي الدولي، أما حالة الضرورة فيثور في شأنها الخلاف إذ ينكر جانب من الفقه قيمتها في إباحة الفعل أو في امتناع مسؤولية مرتكبة.

ثانياً:- الدفاع الشرعي والتدخل:

يقصد بالتدخل، التدخل من قبل دولة في شؤون دولة أخرى الداخلية أو الخارجية، بحيث ينجم عنه المساس باستقلال الدولة السياسي، فيعرفه بعض الفقهاء بأنه ضغط فعلي تمارسه دولة أو عدة دول على دولة أخرى بقصد التزامها بالقيام أو الامتناع عن عمل أو بالعدول عن افتراضات تعسفية تؤتيها تجاه رعاياها أو رعايا غيرها من الدول المقيمين على أرضها، أو للأقليات الجنسية أو العرقية أو السياسية المقيمة على إقليمها.وقد استقر الإجماع الفقهي على عدم مشروعية التدخل، وعده جريمة دولية في القانون الجنائي الدولي إلا إذا كان التدخل لمصلحة الإنسانية يتحقق في حالة أن تنتهك دولة الحقوق الأساسية للأشخاص الذين يقيمون على إقليمها سواء كانوا من رعاياها أم من الأجانب، عن طريق أفعال الاضطهاد، كالقتل أو المصادرة العامة، إلى الحد الذي يصل فيه الاضطهاد ترويع  الضمير الانساني، فتعمل الدول الأخرى على التدخل لإيقاف هذا الاضطهاد.

ثالثاً:- الدفاع الشرعي والمعاملة بالمثل:

المعاملة بالمثل هي الحق الذي يقدره القانون للدولة التي تعرضت لاعتداء ذي صفة إجرامية في أن ترده باعتداء مماثل تستهدف به الإجبار على احترام القانون، أو على تعويض الضرر المترتب على المخالفة، فإذا كان كل من الدفاع الشرعي والمعاملة بالمثل تفترض اعتداء يخضع لقواعد التجريم، وفي افتراضها فعل عنف يقابل هذا الاعتداء، وهذا الفعل هو من نوع الأفعال التي تخضع في الظروف العادية لقواعد التجريم، إلا أنهما يختلفان في أن المعاملة بالمثل إجراء انتقامي وهي أيضاً أخذ بالثأر، وتفترض انتهاء الاعتداء فعلاً وتحقق الإضرار ثم تفترض فعلا مماثلا لا يستهدف الحيلولة دون وق وع الاعتداء أو استمراره، وٕ انما يستهدف ردع المعتدي من ان يأتي في المستقبل مثل هذا الاعتداء، أما الدفاع الشرعي فهو يفترض اعتداءً  حالاً أي لم يبدأ بعد أو بدأ ولم ينته ومن حيث الهدف فهو إجراء وقائي.

الشروط اللازمة لاستعمال حق الدفاع الشرعي

لقيام حالة الدفاع الشرعي يقتضي توافر شرطين هما، العدوان والدفاع الموجه ضده، ولقد قرر القانون الجنائي الداخلي والدولي شروطاً لممارسة حق الدفاع الشرعي منها ما يتعلق بفعل الاعتداء أو العدوان ومنها ما يتعلق بفعل الدفاع الموجه ضد العدوان وهذا ما نبينه في الفرعين الآتيين.

الشروط اللازمة لاستعمال حق الدفاع الشرعي
الشروط اللازمة لاستعمال حق الدفاع الشرعي



شروط الدفاع الشرعي في القانون الجنائي

مر تعريف العدوان بمراحل تاريخية عديدة، منذ أن تم التفريق بين الحرب العادلة والحرب العدوانية وصولاً إلى ميثاق الأمم المتحدة في المادة الأولى منه والذي يتجسد باستعمال القوة المسلحة من قبل دولة ضد السيادة أو السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لدولة أخرى أو بأي شكل يتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة، فيقتضي تحقق العدوان توافر الشروط الاتية:

أولا :- أن يكون العدوان غير مشروع:  يشترط أن تثبت الصفة غير المشروعة طبقاً لقواعد التجريم الدولية للاعتداء الذي يهدد الخطر بوقوعه فإن انتفت عنه هذه الصفة لم يعد للدفاع الشرعي في مواجهته محل، فالدفاع الشرعي لا يكتسب المشروعية في حال وجود العدوان غير المشروع وٕ الا أصبح الفعل الثاني وهو الدفاع في حد ذاته يشكل عدوان اً، فإذا ما قامت الدولة بالدفاع الشرعي رداً على عدوان وقع على احدى مصالحها، فإن الدولة المعتدية التي ارتكبت العدوان والتي يهددها فعل الدفاع الشرعي لا يجوز لها بأي حال من الأحوال أن تحتج بالرد على هذا الدفاع بدفاع شرعي آخر كون الدفاع الشرعي الذي قامت به الدولة المعتدى عليها اكتسب المشروعية من فعل العدوان الذي قامت به الدولة المعتدية ولهذا السبب لا يجوز أن يكون الدفاع الشرعي قائماً على فعل مشروع بل لا بد من أن يقوم ضد فعل غير مشروع. فلا يجوز الدفاع ضد أفراد أو هيآت تنفذ قرارًا صادرًا عن سلطة دولية كقرارات مجلس الامن وفق المادة (39) من ميثاق الامم المتحدة.

ثانياً:- أن يكون العدوان حالاً او مباشرًا: في القانون الجنائي الداخلي يجب أن يكون الخطر أي خطر الاعتداء حالاً حتى يقوم حق الدفاع الشرعي، وٕ ان لم يقع العد وان بعد ولكنه على وشك الوقوع، وهذه هي الصورة الأولى .( للخطر أو بدأ ولكنه لم ينته وهذه وهي الصورة الثانية ومثالها الاستمرار في ضرب المدافع(أما في القانون الجنائي الدولي فيشترط أن يكون العدوان حالاً أو مباشرًا، بمعنى يجب أن يكون قد وقع بالفعل وليس على وشك الوقوع، والمثال على ذلك أن تكون دولة معتدية قد غزت بقواتها  بالفعل إقليم الدولة المعتدى عليها، في حين يرى جانباً من الفقه أنه يجب أن لا يكون الخطر أو الاعتداء قد بدأ بعد ولكنه على وشك الوقوع شأنه في ذلك شأن الخطر الحال في القانون الجنائي الداخلي لكنه يشترط في كل الأحوال أنه لم ينته بعد، فإن انتهى العدوان فلا يجوز أن يكون الدفاع الشرعي لاحقاً له لأنه عندئذ لا نكون أمام حالة دفاع شرعي وٕ انما أمام أعمال انتقامية تقتضي العقاب وقيام المسؤولية الجنائية ضد مرتكبيها، بينما الرأي الثاني لا يعطي أي اعتبار للعدوان الذي يكون وشيك الوقوع، بل يجب أن يكون العدوان قد بدأ بالفعل، والعلة في ذلك أنه لا يسمح بالعدوان الوشيك الوقوع كسبب لقيام حالة الدفاع الشرعي حتى لا تتذرع به الدول في كل مرة تستعمل فيها القوة المسلحة لضرب دولة أخرى لتتملص من مسؤوليتها الجنائية الدولية بحجة انها في حالة دفاع شرعي إذ إن مثل هذا الأمر يؤدي إلى نتائج خطيرة وفوضى قد تعم المجتمع الدولي باكمله( 16 ). وهذا ما نص عليه ميثاق الامم المتحدة في المادة ( 51 ) إذ تطلب لقيام حالة الدفاع الشرعي وقوع العدوان المسلح، أما نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية فيكتفي بالخطر وشيك الوقوع إذ نصت المادة ( 31 ) على أن يكون الاعتداء في صورة استخدام وشيك وغير مشروع للقوة.

ثالثاً:- أن يكون العدوان جسيماً: لا نجد مثل هذا الشرط في القانون الجنائي الداخلي على عكس القانون الجنائي الدولي الذي يشترطه، والسبب يرجع إلى الخطورة التي تنجم عن استعمال القوة في العلاقات الدولية، فلا تقوم حالة الدفاع الشرعي إذا ما كان العدوان يسيرًا إذ يمكن أن يحل هذا الأخير بطرائق سلمية من دون الحاجة إلى الدفاع الشرعي الذي قد يثير حرباً بين الدول والأمثلة كثيرة على العدوان اليسير كح وادث الحدود التي ليس من شأن حدوثها أن تكون سبباً لقيام حالة الدفاع الشرعي ولو استخدمت فيها القوى المسلحة.

رابعاً:- أن يرد العدوان على احد الحقوق الجوهرية: في القانون الجنائي الداخلي يحق للفرد أن يدافع عن نفسه أو عن ماله أو عن نفس الغير أو مال الغير، وفي القانون الجنائي الدولي يجب ان يكون الاعتداء على أشخاص القانون الجنائي الدولي فينحصر في الأعمال العدوانية التي تصيب حقوقها الجوهرية الاساسية(18). وهذا ما نصت عليه المادة ( 51 ) من ميثاق الأمم المتحدة التي تعد الحقوق الجوهرية التي تبرر الدفاع الشرعي هي: حق سلامة الإقليم، وحق الاستقلال السياسي، وحق تقرير المصير، وكذلك المادة 31 ) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أن يتصرف الشخص على نحو معقول ) للدفاع عن نفسه أو عن شخص غيره أو يدافع في حالة جرائم الحرب عن ممتلكات لا غنى عنها لبقاء الشخص أو شخص آخر أو عن ممتلكات لا غنى عنها لإنجاز مهمة عسكرية.

شروط الدفاع الشرعي في القانون الدولي

إذا ما قامت دولة معتدية بعدوان على دولة أخ رى وكان عملاً غير مشروع وحال وضد الحقوق الجوهرية للشخص المعتدى عليه استوجب أن يقابل هذا العدوان بدفاع ولكن يشترط توافر شرطيه وهما أن تكون أفعال الدفاع لازمة لأفعال العدوان، وأن يكون هناك تناسب بين أفعال الدفاع مع أفعال الاعتداء ذاته سواء كان الدفاع عن نفس المعتدى عليها أم عن غيره إذ أجاز القانون الجنائي الدولي كما هو عليه الحال في القانون الجنائي الداخلي للشخص أن يدافع عن غيره وعليه سنتناول الشرطين الآتيين:-

أولا :- لزوم الدفاع وتوجيهه لمصدر العدوان ذاته:

يعني هذا أن يكون فعل الدفاع والذي يقوم به المعتدى عليه هو الوسيلة الوحيدة لدرء العدوان الواقع عليه، بمعنى آخر أنه لا توجد وسيلة أخرى لدرء الاعتداء غير فعل العنف فإن وجدت وسيلة أخرى يستطيع اللجوء إليها ولم يلجأ إليها فإن فعله يكون غير مشروع يعطي البادئ بالاعتداء الحق في استخدام الدفاع الشرعي ضده، ومثال ذلك أن تستعين الدولة المعتدى عليها بمساعدة منظمة دولية وكانت هذه المساعدة كافية لدرء العدوان فلا محل لقيام الدفاع الشرعي( 19 ). فلكي يكون فعل الدفاع لازماً يشترط أن يكون هو الوسيلة الوحيدة لصد الاعتداء وأن يتجه إلى مصدره، وعلى ذلك لا يكون فعل الدفاع لازماً في حالة توجيهه إلى غير مصدر الاعتداء كأن تقوم الدولة التي تعرضت لعدوان مسلح بفعل دفاع ولكنها لا توجهه إلى الدولة التي ( اعتدت عليها، وإنما توجهه إلى دولة ثالثة لم تأتِ بأي من أفعال عدوان.( 20 فهذا الشرط، أي: شرط اللزوم يتعلق بكيفية الدفاع والذي يقتضي أن يكون فعل الدفاع  ضرورياً لمنع وقوع الجريمة.

ثانياً:- التناسب بين الدفاع والعدوان:

يعني هذا أن يلجأ المدافع إلى فعل يكفيه شر الخطر المحدق به فحسب، فإذا بالغ المدافع في رد الفعل اختل شرط التناسب وعد فعله غير مشروع، فينصرف هذا الشرط إلى جهة الخطر وصورة الرد، ما يتطلب النظر إلى الوسيلة المستعملة وٕ الى الضرر الذي ينزل بالمعتدي، مما يقتضي أن تكون أفعال الدفاع متناسبة مع أفعال الاعتداء وخطورتها، بحيث لا تكون أكثر حدة، ولا تسبب ضررًا أشد من الضرر المستعمل من الخطر الماثل( 22). ومعيار التناسب لا يختلف في القانون الجنائي الدولي عنه في القانون الجنائي الداخلي فهو معيار مختلط موضوعي وشخصي ومقتضاه وجود شخص عادٍ أحاطت به نفس الظروف التي أحاطت بالمعتدى عليه الذي قام بفعل الدفاع فإن ثبت أن المعتدى عليه لم يستعمل نفس المقدار الذي استعمله هذا الشخص أو حتى أقل من ذلك عدٌ شرط التناسب محققاً وأن لم يثبت ذلك كان تعدي المعتدى عليه هذا المقدار عد شرط التناسب غير متوفر، ومثال على ذلك هو أن تواجه دولة ما عدواناً عليها من قبل دولة أخرى ويكون السلاح المستخدم سلاحاً تقليدياً فترد الدولة المعتدى عليها هذا  العدوان باستعمال أسلحة أكثر فتكاً كاستخدام الأسلحة النووية.

الجزء التاني من الموضوع 




google-playkhamsatmostaqltradent