تعد الجريمة المنظمة من أخطر أنواع الجرائم، والتي تُعتبر أحد التحديات التي تواجه أجهزة العدالة الجنائية في مختلف البلدان، اذ يهدف الاجرام المنظم الى جني الأموال من مصادر غير مشروعة، كالاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية والأسلحة والذخائر وغسل الأموال المُتًحصلة من الجرائم وادخالها في الاقتصاد المشروع وغيرها من الأنشطة الاجرامية. وقبل الخوض في مفهوم الجريمة المنظمة نحاول ان نبحث بشيء من الايجاز نشأة الجريمة المنظمة كما يأتي: يعد الاجرام المنظم من أخطر انواع الاجرام على مر العصور على الفرد والمجتمع، اذ كانت الجريمة المنظمة تتسم بالسمة العدوانية في العصور والمجتمعات البدائية القديمة، اذ كان العدوان مباحاً ولا يشكل سلوكاً اجرامياً بين الجماعات المتصارعة، فقد ارتكبت في بلاد ما بين النهرين جرائم القتل والنهب بأسلوب منظم، مما دفع شريعة حمو ا ربي الى سن عقوبات شديدة لها وأسمتها بعصابات الشر، اذ نصت المادة من شريعة حمو ا ربي على إذا ارتكب رجل سرقة وقُبض عليه، فذلك الرجل سوف يعدم.
يمكنك الذهاب الى مقدمة هذا الموضوع مكافحة الجريمة المنظمة عبر التسليم المراقب - تقديم الأطروحة
![]() |
| مفهوم الجريمة المنظمة |
مفهوم الجريمة المنظمة و التاريخ
اما في الحضارة الفرعونية القديمة، فقد ظهر ما يسمى بقانون اللصوص، بموجبه على من يرد احتراف السرقة ان يُعلم رئيس اللصوص بما سرق، والذي بدوره يعيد المال المسروق الى حائزه بعد دفعه ربع قيمة المال المسروق، مما دفع الملك الى أصادره مرسوماً حدد فيه عقوبات تصل الى نفي الجاني وجدع انفه، وذلك بسبب انتشار جرائم السرقة وقطع الطريق والسطو على السفن والعصيان والتمرد، وهذا ان دل على شيء يدل على انتشار الجريمة آنذاك، الا ان هذه الجرائم لا ترقى الى مستوى الجريمة المنظمة.
اما عند الرومان فقد ارتبط القانون بالدين في تلك الفترة حيث أصبح اكتساب المواطنة قائم على أساس الدين، وان المواطن يعتبر اجنبياً إذا تجاوز الحدود الإقليمية لمدينته، مما اوجد قانون خاص يطبق بحق الأجانب ومحكمة تنظر القضايا الخاصة بهم، واتسمت العلاقة بين المدن آنذاك بالعدوانية وأصبح قتل الأجنبي فعلا مباحا مما أدى الى ازدياد جرائم القتل، والذي دفع ببعض عناصر الجيش الى تشكيل مجاميع وعصابات منظمة تقوم بالقتل وقطع الطريق والنهب. ونتيجة لانتشار الجرائم المنظمة أصدر الإمبراطور جوستنيان قانوناً خاصاً سمي باسمه، يقسم الدعاوى الى خصوصية وعمومية، والعمومية تكون على نوعين: الأول: الكبائر: وتكون عقوبتها الإعدام والنفي والاشغال الشاقة. الثاني: غير الكبائر: وتكون عقوبتها الغرامة المالية.
وفي نظر الشريعة الإسلامية لا تختلف الجريمة المنظمة عن الجريمة العادية من حيث العقوبة المقررة لها وطبيعتها، والاجرام المنظم يدخل ضمن جرائم التعازير والقصاص والحدود، وسداً للذرائع حرمت الشريعة الإسلامية بعض الأفعال التي تعد مدخلاً لارتكاب الجريمة المنظمة كتعاطي الخمور والمخدرات والدعارة وتجارة الجنس والقمار مما جعل الجريمة المنظمة في البلاد الإسلامية اقل انتشارًا مقارنة بالبلاد غير الإسلامية التي يكثر فيها المحظورات والفساد بحجة الحرية الفردية.
اما في العصر الحديث فان البعض يربط ظهور الجريمة المنظمة وانتشارها بعصابات المافيا كونها تتسم ببعض خصائص الجريمة المنظمة ومنها التنظيم واستخدام وسائل التخويف والعنف وامتلاكها نظاماً داخلياً صارماً، ويرى البعض ان المافيا نشأت في صقلية سنة 1282 بعد ان احتلتها فرنسا وكانت المافيا في بداية الامر عبارة عن مجاميع سرية هدفها مقاومة الاحتلال الفرنسي، وهناك رأي اخر يقول بان المافيا ظهرت ما بين 1820 و 1848 في صقلية عندما كانت سلطة الدولة منهارة، فجند مُلاك الأراضي اعداد كبيرة من الجنود والشرطة المُحالون الى التقاعد وعُتات المجرمين، للضغط على الفلاحين الذين احتجوا على استغلال الارستقراطيين لهم فتمركز هذا الجيش في مدينة باليرمو واتخذها مقرًا له، وأصبح في كل قرية فرع للمافيا يرتبط بالمقر الرئيس وكان هذا الجيش يفرض الاتاوات ويصفي الحسابات ويمارس جميع أنواع الاجرام.
من خلال ما تقدم بحثه نرى ان الجريمة المنظمة مرت بعدة مراحل على مر التاريخ فقد كانت في بداية الامر عبارة عن جريمة بسيطة تحدث في حالات فردية، ثم انتقلت الى مرحلة الجماعة الاجرامية والجريمة المنظمة المحلية قبل وصولها في العصر الحديث الى مرحلة الجريمة المنظمة عبر الوطنية معتمدة في ذلك الى التطور العلمي والتكنولوجي وهذه الجريمة لم تعد تقتصر على دول معينة بل شملت الدول الغنية والفقيرة على حد سواء، مما جعلها أبرز المشاكل التي تواجه المجتمع الدولي، ولغرض الوقوف على تعريف الجريمة المنظمة وبيان خصائصها نتناول ذلك في مبحثين نبين في أولهما تعريف الجريمة المنظمة ونبين في ثانيهما ذاتية الجريمة المنظمة كما يلي.
تعريف الجريمة المنظمة بين الوضوح و الغموض
بالرغم من أن الجريمة المنظمة إحدى الجرائم بالغة الخطورة، إلا أنها ما ا زلت لم تتصف بالوضوح ولم يوضع لها تعريف جامع متفق عليه، سواءً كان ذلك على مستوى الدراسات الوطنية .أم الدراسات الدولية ومن أجل الإحاطة بتعريف الجريمة المنظمة نبحث ذلك في مطلبين: الأول نتناول فيه مدل ول الجريمة المنظمة لغةً واصطلاحاً والثاني نتناول فيه المساعي الدولية لتعريف الجريمة المنظمة.
1- مدلول الجريمة المنظمة
عُرفت الجريمة المنظمة تعريفات متعددة فقهاً لصعوبة وضع تعريف موحد لها، وأن القوانين الجنائية لم تنتهج نهجا موحداً لتعريفها، لذلك سنتناول تعريفها في فرعين الأول: نبحث فيه تعريف الجريمة المنظمة لغةً والثاني: تعريف الجريمة المنظمة اصطلاحاً.
الجريمة المنظمة لغةً تفيد كلمة )جريمة( لغةً )الجُرُم( الذنب، فيقال منه )جرَمَ( و)أجرم( و)اجترم(. ) 1( ويطلق لفظ ) (الجريمة )على القيام بفعل أو الامتناع عن القيام بفعل جرمه القانون وحدد له عقاباً معيناً. وكلمة "جريمة" أصلها من جرم. بمعنى كسب وقطع وكانت هذه الكلمة مستعملة منذ القدم للدلالة على كسب المكروه غير المستحسن. ويقال جُرمُ (جَرمَ)، جريمة جناية، جناية الفاظ قانونية للجريمة، جنحة قباحة للأفعال المخالفة للقانون من نوع ابسط، خطيئة، ذنب مترادفان اخريان تستعملان في بعض البلدان العربية، مخالفة ابسط أنواع الخروج على القانون. والمنظمة، جمعية منظمة ذات غرض اجتماعي، ثقافي، او رابطة، عصبة، كتلة، حزب منظمة سياسية الأهداف.والمنظمة مشتقة من لفظ نَظم(: أي نظم اللؤلؤ جمعه في السلك وبابه ضرب ونظمهُ ) تنظيماً. ( والإنظام: الاتساق. ) وفعل نظم يدل على حالة الاتحاد والجماعة باجتماع إ راداتهم لتحقيق غاية أو هدف معين.
2- الجريمة المنظمة اصطلاحاً
عُرفت الجريمة المنظمة تعريفات متعددة في القوانين الوطنية والآراء الفقهية ونحاول في هذا الفرع بيان موقف القوانين الجنائية وراء الفقه الجنائي من تعريف الجريمة المنظمة وكما يلي: اولاً: تعريف الجريمة المنظمة قانوناً: لم تورد القوانين الجنائية محل المقارنة تعريفاً للجريمة المنظمة، ولم تفرد لها نصوصاً خاصة تعالجها في صلب قوانينها الجنائية نستعرضها كما يلي: -1 موقف التشريع العراقي من تعريف الجريمة المنظمة: لم يضع المشرع العراقي تعريفاً للجريمة المنظمة في صلب قانون العقوبات، ولم يُشرع لها قانون اً خاصاً يعالجها، ولم يستخدم مصطلح الجريمة المنظمة سواءً في قانون العقوبات أو القوانين المكملة له وبالرغم أن المشرع العراقي قد نص على الجمعية السرية والهيئة المنظمة في المواد ( 5.2.،6.2) ( من قانون العقوبات رقم ) 111 لسنة 1969 المعدل ولكنها لا تنسجم وخصائص الجريمة المنظمة وأهدافها وهيكلها التنظيمي. إلا أن المشرع العراقي قد عالج بعض الجرائم التي تعد من صور الجريمة المنظمة وشرع لها قوانين خاصة بها كقانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم 50 لسنة 2017 إذ نصت المادة 27 ( منه بقولها )تكون العقوبة الإعدام أو السجن المؤبد كل من ارتكب أحد الأفعال الأتية: ( أولاً: أستورد أو جلب أو صدر مواد مخدرة أو مؤثرات عقلية أو سلائف كيمياوية بقصد المتاجرة بها في غير الأحوال التي اجازها القانون. ثانياً: أنتج أو صنع مواد مخدرة أو مؤثرات عقلية بقصد المتاجرة بها في غير الأحوال التي أجازها القانون.
ثالثاً: زرع نباتاً ينتج عنه مواد مخدرة أو مؤثرات عقلية أو أستورد أو جلب أو صدر نباتاً من هذه النباتات في أي طور من أطوار نموها بقصد المتاجرة ببذورها في غير الأحوال التي أجازها القانون( وقد عالج المشرع العراقي جريمة غسل الأموال في قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم ) 39 ( لسنة 2015 باعتبارها أحد صور الجريمة المنظمة.
موقف التشريع المصري من تعريف الجريمة المنظمة
لم يعرف المشرع المصري الجريمة المنظمة بصورة صريحة وانما نص على صور الجماعات الإجرامية ووضع لها عقوبات خاصة بها إذ نصت المادة ) 86 ( من قانون العقوبات رقم ) 58 لسنة 1937 على (يعاقب بالسجن كل من أنشأ أو أسس أو نظم أو ادار ، على خلاف أحكام القانون جمعية أو هيئة أو منظمة أو جماعة أو عصابة ، يكون الغرض منها الدعوة بأية وسيلة إلى تعطيل أحكام الدستور أو القوانين أو منع إحدى مؤسسات الدولة أو إحدى السلطات العامة من ممارسة أعمالها ، أو الاعتداء على الحرية الشخصية للمواطن أو غيرها من الحريات والحقوق العامة التي كلفها الدستور والقانون، أو الاضرار بالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعي ويعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من تولى زعامة أو قيادة ما فيها أو أمدها بمعونات مادية أو مالية مع علمة بالغرض الذى تدعو إليه. ويعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات كل من أنضم إلى إحدى الجمعيات أو الهيئات أو المنظمات أو الجماعات، أو العصابات المنصوص عليها في الفقرة السابقة، أو شارك فيها بأية صورة، مع علمه بأغراضها).
يؤكد النص المتقدم على أن العقوبة تطبق على كل صور الانتماء إلى التنظيمات الإجرامية أو التشكيلات العصابية التي عبر عنها بألفاظ متعددة مثل " هيئة أو منظمة أو جماعة أو عصابة أو جمعية" وأن ذكر هذه الالفاظ المترادفة تدل على رغبة المشرع بفرض العقوبة على الجريمة مهما كانت تسمية الجماعة أو التنظيم الإجرامي التي تتكون من شخصين فأكثر ويسعون إلى تحقيق الغرض الإجرامي المشترك.
وتنص المادة 33 من قانون مكافحة المخدرات المصري رقم (182) لسنة 1960 على يعاقب بالإعدام والغرامة التي لا تقل عن مائة ألف جنيه ولا تتجاوز خمسمائة ألف جنيه كل من قام ولو في الخارج بتأليف عصابة أو ادارتها أو التدخل في ادارتها أو في الجواهر المخدرة أو تقديمها للتعاطي أو ارتكاب أي من الجرائم المنصوص عليها في هذه المادة داخل البلاد(. وتجدر الإشارة بأنه يكفي لقيام جريمة تشكيل عصابة الاتجار بالمخدرات، مجرد ارتكاب سلوكها الإجرامي ولو كان خارج البلاد، والمتمثل بتأليف عصابة أو ادارتها أو التدخل في ادارتها أو تنظيمها أو الانضمام اليها على أن يكون الاتجار بالمواد المخدرة أو تقديمها للتعاطي من اغراضها. ) ويلاحظ من خلال ما تقدم ذكره أن المشرع المصري لم يعرف الجريمة المنظمة بنص صريح وانما عالج بعض صور الجماعة الإجرامية أو التنظيم الإجرامي وعاقب على تشكيله أو ادارته وبطبيعة الحال فإن نطاق الجريمة المنظمة عبر الوطنية أوسع بكثير من صور الجماعات الإجرامية التي ذكرت.
