تُعد الجريمة المنظمة عبر الوطنية من أخطر التهديدات التي تواجه الفرد والمجتمع، وان هذه الجريمة كانت ترتكب في العصور القديمة بوسائل تقليدية، الا ان نشاطها بدا يستفحل في المجتمعات كافة ولم تعد الحدود بين الدول عائقاً امامها، وذلك باعتمادها على تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتي زادت من انتشارها وصعوبة تعقبها فلم تعد تُرتكب في دولة معينة بل انتشرت في كل دول العالم، وبالتالي زادت الجرائم المنظمة من حيث النوع والكم، كما هو الحال في ارتكاب جرائم الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية والاتجار بالأسلحة وتهريب المهاجرين غير الشرعيين وغيرها من صور الجريمة المنظمة، مما جعلها من أكبر التحديات التي تواجه الدول دون تمييز بين الدول النامية والدول المتقدمة.
![]() |
| مكافحة الجريمة المنظمة عبر التسليم المراقب |
مكافحة الجريمة المنظمة على الصعيد الوطني
نحاول في هذه الدراسة تعريف الجريمة المنظمة وخصائصها وإبراز ملامحها العامة، واركانها الخاصة بها وتمييزها عن غيرها من الجرائم كالجريمة الدولية والجريمة الإرهابية والمساهمة الجنائية والاتفاق الجنائي، وبيان موقف الاتفاقيات الدولية والإقليمية والتشريعات الوطنية ( محل المقارنة) ومدى تناولها وتعريفها للجريمة المنظمة ، مع دراسة أحدث أساليب التعاون الدولي في مجال مكافحتها وبمختلف صورها، للحد من انتشارها وتعقب مقترفيها والقبض على رؤسائها ومموليها وجميع المشتركين في ارتكابها، من خلال استخدام أسلوب التسليم المراقب مع بيان تعريفه في القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية والإقليمية.
اذ يفترض هذا الأسلوب السماح للشحنات غير المشروعة من المخدرات أو المؤثرات العقلية بمواصلة طريقها الي خارج إقليم بلد أو أكثر أو عبره أو الي داخله بعلم السلطات المختصة وتحت مراقبتها بغاية كشف هوية الأشخاص المتورطين في ارتكابها، مع بيان أهمية هذا الاسلوب ومعوقات تطبيقه وتمييزه مما يشتبه به من وسائل التعاون الجنائي الدولي كتسليم المجرمين والانابة القضائية الدولية، وبيان نطاق تطبيقه على المستوى الوطني والدولي واجراءاتهما، وإبراز الطبيعة القانونية للتسليم المراقب ومدى اعتباره عملاً من اعمال التحري وجمع الأدلة او عملاً من اعمال التحقيق الابتدائي، وبيان انواعه المتمثلة، بالتسليم المراقب الحقيقي والتسليم المراقب النظيف، والذي يكون اما بالسماح للشحنة الممنوعة او المشبوهة بالمرور كما هي دون التعرض لها وبعلم السلطات المختصة و وتحت رقابتها، واما بحجز الشحنة الممنوعة او المشبوهة وبدالها كلياً او جزئياً بمادة أخرى مشروعة مشابهة لها والسماح لها بالمرور دون علم الجناة وتحت رقابة السلطات المختصة.
مع بيان التحريض الصوري والذي يكون من خلال تدخل مأمور الضبط القضائي في ارتكاب الجريمة ليس بقصد ارتكابها، وانما للقبض على مرتكبها متلبسا بها. وبمعنى اخر قيام ضابط الشرطة القضائية بالتنكر بصورة او بأخرى من اجل اكتشاف سلوكيات إجرامية واقعية او مفترضة، فيضع المشتبه به تحت التجربة فاذا انساق المشتبه به وراء الاغواء والتحريض ووقع في الفخ المنصوب له، اُلقي القبض عليه لارتكابه جريمة معاقب عليها، مع بيان موقف الفقه الجنائي والتشريعات والوطنية (محل المقارنة) من التحريض الصوري واثره على إجراءات التسليم المراقب، مع ابراز الاساس القانوني للتسليم المراقب في القوانين الأجنبية والعربية والإجراءات القانونية الخاصة به في الاتفاقيات الدولية والإقليمية والتشريعات الوطنية.
التعاون القضائي الدولي لمكافحة الجريمة المنظمة
المقدمة:
أولاً: موضوع الدراسة:
تُعد الجريمة المنظمة من اشد ظواهر السلوك الإجرامي تعقيداً، ومن أهم التهديدات التي تواجه أمن وسلامة الفرد والمجتمع بمختلف صورها، إذ كانت آثارها تنحصر في نطاق إقليم دولة معينة، الا انها تطورت تطورًا ملحوظاً في السنوات الأخيرة، بانتقالها من النطاق الوطني الى النطاق الدولي فأصبحت ظاهرة عالمية عابرة للحدود الوطنية، إذ ينتمي الجناة فيها إلى أكثر من دولة أو تمر عبر اكثر من دولة لوجود روابط وعلاقات وثيقة بين جماعات ارتكاب الجريمة المنظمة، ولعل من اهم الأسباب التي أدت الى انتشارها وعالميتها هو التقدم في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي أدت الى حرية نقل الأموال وانتقال الأشخاص عبر الدول، واستخدامها لكافة الأساليب التي من شانها أن تساهم في تحقيق اغراضها وذلك باستخدام الخبراء والمختصين في مختلف الاختصاصات ليمهدوا لها الطريق لتطوير اساليبها والتهرب من الوقوع تحت طائلة القانون. مما جعل استخدام الأساليب الكلاسيكية في التحري والبحث لا تفي بالغرض في مكافحتها والقبض على مرتكبيها لامتيازها بخاصية التنظيم والسرية في تحقيق أهدافها، فكان لابد على الدول والحكومات وأجهزة المكافحة المختصة من التعاون على المستوى الدولي وخاصةً في مجال التعاون الجنائي لمكافحتها وملاحقة مرتكبيها، من خلال اللجوء إلى أساليب فعالة تتأقلم مع أساليب التخفي والتمويه التي يتبعها أعضاء الجماعات الاجرامية المنظمة.
وقد وضعت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لسنة 2000 الإطار العام للتعاون الجنائي الدولي من خلال اتباع أحدث الأساليب لمكافحة الجريمة المنظمة ومن بينها (التسليم المراقب) الذي حظي باهتمام دولي كبير وخاصة في مجال الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية وجرائم غسل الأموال والاتجار بالأسلحة والاتجار بالبشر، الا ان هذا الأسلوب يُعد خروجاً عن مبدأ اقليمية القانون الجنائي والذي يقصد به خضوع الجرائم الواقعة على إقليم الدولة لقانونها الوطني. إلا أن المصلحة العليا للمجتمع الدولي تقتضي الخروج عن مبدا إقليمية القانون الجنائي بأرجاء ضبط ما تعد حيازته جريمة او مستخدماً في ارتكابها أو متحصلاً منها إلى وقت لاحق، بأن يُسمح بمرور الشحنات المخدرة أو المواد غير المشروعة داخل إقليم دولة معينة أو عبره الى دولة أخرى، بعلم السلطات المختصة وتحت مراقبتها المستمرة، بغية معرفة وجهتها النهائية وكشف هوية أعضاء شبكات التهريب والقبض عليهم، إلا أن هذا الأسلوب من أساليب التعاون الدولي يستلزم وجود قوانين وطنية أو اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف تنظم احكامه.
الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية وسبل مكافحتها
ثانياً: أهمية الدراسة:
تكمن أهمية موضوع الدراسة في محاولة بيان تعريف الجريمة المنظمة وخصائصها، وأركانها الخاصة بها وتمييزها عن غيرها من الجرائم، مع دراسة أحدث أساليب التعاون الدولي في مجال مكافحتها وبمختلف صورها، للحد من انتشارها وتعقب مقترفيها والقبض على رؤسائها ومموليها وجميع المشتركين في ارتكابها، من خلال استخدام أسلوب التسليم المراقب على المستويين الوطني والدولي مع بيان تعريفه وانواعه ومعوقات تطبيقه وأهم الاتفاقيات الدولية والإقليمية والقوانين الوطنية (محل المقارنة)التي تنظم احكامه.
ثالثاً: مشكلة الدراسة:
تكمن مشكلة الدراسة في مدى إمكانية تطبيق التسليم المراقب على المستوى الوطني والدولي ومعوقات تطبيق هذا الاجراءت المتمثلة بتنازع الاختصاص القضائي بين الدول التي تنفذ عملية التسليم المراقب ومن هي الدولة المختصة قضائياً هل هي دولة اكتشاف الشحنة غير المشروعة او هي دولة الوجهة النهائية؟ ومعوقات فنية ومالية متمثلة بانعدام الثقة بين أجهزة الدول المنفذة للتسليم المراقب ومن هي الجهة التي تتحمل التكاليف المالية لعملية التسليم المراقب؟
رابعاً: منهجية الدراسة:
اتبعنا في هذه الدراسة المنهج الاستقرائي الوظيفي المقارن، وسنأخذ بالتشريعات الوطنية وبصفة أساسية بين القانون العراقي والمصري والفرنسي والقانون الالماني، فضلاً عن النصوص الواردة في الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي تناولت أسلوب التسليم المراقب وبينت أحكامه مع بيان موقف الفقه الجنائي منه.
خامساً: صعوبة الدراسة:
تكمن صعوبة هذه الدراسة في عدم بحثها بشكل مفصل من الباحثون الذين سبقوني، وقلة المصادر التي تتحدث عنها سواءً في المكتبات القانونية او المواقع الاليكترونية وعدم توفر القرارات القضائية على المستوى الوطني لحداثة هذا الأجراء وندرتها على المستوى الدولي.
سادساً: هيكلية الدراسة:
من أجل الإحاطة بموضوع هذه الدراسة من كل جوانبها ارتأينا تقسيمها إلى أربعة فصول تسبقها مقدمة وتعقبها خاتمة. سنبين في الفصل الأول مفهوم الجريمة المنظمة، إذ نتناول في المبحث الأول تعريف الجريمة المنظمة اصطلاحاً وبيان المساعي الدولية والإقليمية لوضع تعريفاً لها، ونتناول في المبحث الثاني ذاتية الجريمة المنظمة. أما الفصل الثاني فنوضح فيه مفهوم التسليم المراقب ونطاق تطبيقه وذلك في مبحثين نتناول في المبحث الأول تعريف التسليم المراقب وأهميته، وفي المبحث الثاني نوضح نطاق تطبيق التسليم المراقب على المستويين الوطني والدولي واجراءاتهما. اما الفصل الثالث فنوضح فيه الطبيعة القانونية للتسليم المراقب وأنواعه، لذا سنقسم هذا الفصل الى مبحثين نوضح في المبحث الأول التسليم المراقب وصلته بالتحري وجمع الأدلة والتحقيق الابتدائي، وفي المبحث الثاني نتناول أنواع التسليم المراقب وصلته بالمحرض الصوري .
بينما نبين في الفصل الرابع والأخير من هذه الدراسة الأحكام القانونية للتسليم المراقب، ونتناول ذلك في مبحثين نوضح في المبحث الأول الأساس القانوني للتسليم المراقب في القوانين الأجنبية والعربية "محل المقارنة" ونبين في المبحث الثاني الإجراءات القانونية الخاصة بالتسليم المراقب في الاتفاقيات الدولية والإقليمية والتشريعات الوطنية، واستكمالاً للفائدة من هذه الدراسة انهيناها بخاتمة تتضمن اهم الاستنتاجات والمقترحات التي توصلنا اليها.
