إن ارتباط التنمية الإقتصادية والإجتماعية بمجهودات الدولة في مجال الإستثمار، دفع مختلف الدول إلى توفير الظروف الملائمة قصد الرفع من وثيرة استقطابها للاستثمارات الوطنية والأجنبية، وتشجيعها للنفقات الإستثمارية، وذلك بنهجها لسياسات استثمارية مختلفة ضمن السياسة العامة الاقتصادية.
المراكز الجهوية للاستثمار ودورها في التنمية
وبتطور مجال ومستوى الاستثمار، تضاعفت معه العوائق والعراقيل أمام المستثمرين، الشىء الذي أصبح معه تدخل الدولة في تدبير الاستثمار بطرقها التقليدية والمركزية غير فعال، نظ ا ر لعدة مشاكل بنيوية وادارية تعرقل الاستثمار. وبذلك أضحت اللامركزية الجهوية من المكونات الأساسية للأنظمة السياسية الحديثة، من أجل تهيئ البنيات الاستقبالية بشكل يتناسب مع المتطلبات الجديدة للمستثمرين، عبر مقاربة مرنة وتبسيطية في معالجة المشاكل الاستثمارية، والعمل على ترسيخ مبادئ جديدة في تدبير الشأن الإداري من خلال التركيز على البعد الجهوي في التنمية الإقتصادية والاجتماعية، خاصة وأن الجهة أصبحت تشكل الإطار الت ا ربي الأنسب لحل المشاكل المتعلقة بإج ا رءات الاستثمار، وذلك انسجاما وتكاملا مع الجماعات الت ا ربية الأخرى ، نظ ا ر لما تلعبه هذه الأخيرة من دور هام في تنشيط الإقتصاد.
وقد أجمع الباحثون المهتمون بموضوع التنمية، على أن الجهوية أصبحت البديل والأداة الأساسية لخوض معركة التنمية، بحيث تشكل شرطا جوهريا لتنظيم واعداد مجال ت ا ربي قادر على توفير مستلزمات التنمية الاقتصادية والاجتماعية على المستوى الجهوي، وتمنح للسكان حق إدارة شؤونهم باتخاذ الق ا رر الذي يستجيب لتنمية منطقتهم. والمغرب كغيره من الدول السائرة في طريق النمو عمل على إيلاء الاستثمار الجهوي اهتماما خاصا ضمن سياساته كهدف است ا رتيجي لتحقيق التنمية المستدامة. و يبرز ذلك من خلال اعتماد المغرب عدة سياسات استثمارية تُوجت بسياسة التدبير اللامتمركز للاستثمار، وهي سياسة تقوم على تكريس البعد المحلي والجهوي لحل مشاكل الاستثمار عبر آلية إعادة توزيع السلط والمهام بين المركز والمحيط. فهذا الاهتمام بالبعد الجهوي في تدبير وتحفيز الاستثمار، يلازمه إكرهات تتمثل في استمرار الفوارق الجهوية. فوارق تعبر بشكل جلي على مدى صعوبة تحقيق السياسات العمومية المتتالية لتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية حقيقية بين الجهات. سياسات أبانت عن غياب تصور دقيق للمشاكل الجهوية، وعن عدم نجاعة آليات إدارة وتدبير التنمية الجهوية. ومن تم فالقضاء على الفوارق الجهوية بات يشكل أولويات وقاعدة لكسب الرهانات المستقبلية. وبذلك يبقى التسا ؤل المطروح حول كيفية معالجة السلطة المركزية لإشكالية الفوارق والتفاوتات الجهوية ؟ ومدى نجاعة السياسات الاستثمارية المتعاقبة؟
نظرا للتزايد السكاني الذي يشهده العالم، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية خاصة تحقيق النمو الاقتصادي، ومحاربة البطالة، وتوفير الخدمات الصحية، والسعي وارء تحقيق التنمية المستدامة بجميع جوانبها، كان لازما على الدول زيادة الاستثمارات وخلق المزيد من مناصب الشغل، بالإضافة إلى الحاجة إلى ضخ قدر هائل من رؤوس الأموال من مختلف المصادر. وبسبب الاعتقاد بجدوى الاستثمار، تحاول العديد من هذه الدول جذب الاستثمار، وذلك من خلال اتباع سياسات اقتصادية مناسبة، واستخدام العديد من الحوافز والامتيازات المالية لدفع وتطوير المناخ الاستثماري بها.
ووعيا من المغرب بمكانة الاستثمار في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بادر إلى وضع عدة سياسات لجذب وتنشيط الاستثمار، كانت أولها سياسة التدبير القطاعي للاستثمار، والتي من خلالها حاولت الدولة بعد الاستقلال بناء اقتصاد وطني يقوم على التنمية الذاتية، وكذلك التحرر الحقيقي من هيمنة الاستعمار، خاصة وأن المغرب بعد الاستقلال وجد نفسه أمام فوارق جهوية خطيرة اقتصاديا واجتماعيا.وقد سن المغرب عدة قوانين استثمارية أولها قانون 1958 اولذي عمل على تشجيع الاستثما رات الوطنية، ثم قانون سنة 1960 الذي أعطى اهتماما كبيرا للاستثما رات الأجنبية، ليتم الانتقال إلى سياسة الانفتاح الاقتصادي مع قوانين الاستثمار سنة 1973 ، وهي مدونة ذات اتجاه ليبرالي تهدف إلى تحفيز الاستثما رات الأجنبية والوطنية. غير أن هذه القوانين سرعان ما أظهرت عجزها عن تحقيق الأهداف. المنشودة، ليتم تعويضها بمدونة الاستثما رات الصناعية سنة 1983.
وفي أواخر عقد الثمانينات اتضح بجلاء ضعف القوانين الاستثمارية السابقة وانعكاساتها السلبية على الاقتصاد الوطني، حيث عرفت الموارد الضريبية تراجعا خطيرا كما عرف الاقتصاد الوطني انكماشا مهولا. بالإضافة إلى أن هذه القوانين أثرت بشكل سلبي على التوزيع الجغرافي للاستثمارات، ولم تساهم في تحريك الرأسمال الخاص والوطني، فضلا عن طابعها التجزيئي القطاعي مما جعل بعض القطاعات أقل استفادة من أخرى. وخلال بداية التسعينات برزت الدعوات إلى ضرورة توحيد هذه القوانين الاستثمارية في مدونة واحدة شاملة، وقد تجلى ذلك من خلال قانون الإطار بمثابة ميثاق الاستثمار في شهر نونبر 1995 ، ليحاول هذا الميثاق من خلال التدبير الموحد للقوانين الاستثمارية، خلق تصور جديد لسياسة تشجيع الاستثمار، معتمدا على مبادئ تهدف إلى تبسيط الاستفادة من الامتيازات الجبائية والغير الجبائية التي تضمنها. غير أن تشجيع الاستثمار وضمان تحقيقه لتنمية متوازنة ومستديمة، يتطلب التغلب على العراقيل الكبيرة التي تواجه الاستثمار من طبيعة الروتين الإداري والمساطر المعقدة التي تعرفها الإدارة. لذلك جاءت سياسة التدبير اللامتمركز للاستثمار كخيار استراتيجي ليضع حدا لعراقيل الاستثمار في جوانبه القانونية والإدارية والتدبيرية، من خلال خلق شباك وحيد ( كمخاطب وحيد) مهمته تسهيل مأمورية المستثمر في كل ما يرتبط بعمليات الاستثمار، وذلك عبر استراتيجية جديدة تقوم على ترسيخ مبادئ جديدة في تدبير الشأن الإداري عبر تقوية أسلوب اللامركزية واللاتركيز، قصد صياغة سياسات محلية متوازنة، ومن خلالها تنمية وطنية شاملة.
إن التفاوتات المجالية العميقة والفوارق الجهوية الكبيرة بين جهات ومناطق المملكة، شكلت عائقا أمام كل السياسات التنموية. اختلالات وفوارق جهوية أفرزها الاستعمار عبر نهجه لسياسة استنزافية لخيرات البلاد، والتي قسمت المغرب عبر أطروحته إلى مغرب نافع ومغرب غير نافع. مغرب نافع استحوذ على كل اهتمام المستعمر، الذي عمل على توجيه الاستثمارات العامة والخاصة وتركيز الأنشطة الاقتصادية والثروة داخله، والمتمثل في السهول الأطلسية سايس والمناطق الداخلية المستوية، ومغرب غير نافع محروم من أبسط الإمكانيات الاقتصادية والاجتماعية. فهذه الإختلالات التوازنية السوسيواقتصادية والثقافية الموروثة من عهد الاستعمار، أفرغت محتوى كل السياسات والاستراتيجيات التي تصبو إلى تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة بين الجهات وشاملة لها.
إدارة الاستثمار في عهد الحماية وبعد الاستقلال
قامت سلطة الحماية بتحقيق أهداف مخططها الاستعماري الذي كان يصبو إلى استغلال خيرات البلاد وثرواتها المعدنية والفلاحية، عبر توظيف مفهوم الجهوية كأساس لتقسيم التراب الوطني المغربي، قصد التحكم فيه وضبط تحركات المقاومة الوطنية، حتى يتسنى لها إحكام السيطرة واستغلال المناطق الغنية وتهميش المناطق الأخرى.وهكذا عمل الاستعمار على تركيز الأنشطة الاقتصادية والقطاع العصري بالجهات الملائمة للمخطط الاستعماري، مهمشا بذلك الجهات الضعيفة التي لا تستجيب لمطامعه. وقد نتج عن ذلك تباينات مجالية بين مناطق المغرب، حيث انعكست هذه الفوارق الجهوية على البنيات الاقتصادية والاجتماعية بشكل سلبي أدى إلى ازدواجية الهيكل الاقتصادي، وظهور نمطين اجتماعيين متعارضين من حيث الخصوصية التاريخية والثقافية، نمط حضاري عصري ونمط تقليدي. وأمام رهان تشكيل الدولة الوطنية بعد الاستقلال، انصب الاهتمام على تكريس مركزية شمولية لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة، وذلك من أجل تلبية الحاجات الملحة والضرورية لكافة شرائح وطبقات المجتمع ضمن منظور وطني عام.
فالمغرب وجد نفسه أمام مشكلات أساسية كالشغل والصحة والتعليم وبناء المؤسسات الإدارية وتوفير البنيات الأساسية، كل هذه الإشكالات البنيوية العميقة تمت مقاربتها مقاربة سياسية أمنية، وذلك لما فرضه واقع الدولة الحديثة الاستقلال، وذلك ما أدى بالدولة إلى جعل البعد الإقليمي المح ور الأساسي في السياسات العمومية لما يوفره هذا البعد من إمكانيات ضبطية للمجال الترابي. إذن كلها تحديات أجلت الاهتمام بالبعد الجهوي والجهة في سن السياسات التنموية عامة والاستثمارية خاصة.
السياسة الاستعمارية مصدر التفاوتات الجهوية
أدى فرض الحماية على المغرب واستعماره، إلى اختلال بنياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. فالطبيعة السياسية والعسكرية والثقافية الدخيلة، شكلت مجالا مناسبا، هيأ لسلطة الحماية تنفيذ مخططها الاستعماري ، والذي يهدف إلى استنزاف الثروات المغربية الطبيعية المعدنية والفلاحية، وتهييء المجالات لتوطين مصالح مستثمريها في إطار شرعية دولية ووطنية منحتها إليها معاهدة الجزيرة الخضراء.
وقد عملت سلطة الحماية في تنفيذ سياستها الاستعمارية إلى تقسيم التراب الوطني المغربي، وذلك قصد التحكم فيه وضبط تحركات المقاومة الوطنية. إذ انحصر توظيف هذا الأسلوب الإداري في البداية في تحقيق أهداف أمنية وعسكرية تساعد على بسط السلطة الاستعمارية لنفوذها، ومن تم إحكام السيطرة على المجال الترابي لاستغلال المناطق الغنية، وتهميش المناطق الأخرى. وبذلك ظهر التفاوت الجهوي، على شكل هيكل اقتصادي واجتماعي غير منسجم ومختل التوازن من الناحيتين الجغ ا رفية والاقتصادية، بحيث أنه يمكن تقسيمه اقتصاديا من خلال أسلوب الإنتاج إلى قسم متطور وقسم متخلف على مستوى القوى الإنتاجية، وهو تقسيم أفرزته علاقات الاستعمار و رأس المال الأجنبي.
الإطار الجهوي أداة مهمة لتنفيذ السياسة الاستعمارية
تميز التنظيم الجهوي للمغرب في العهد الاستعماري بسيطرة هاجس الأمن والم ا رقبة، واخضاع القبائل المتمردة. فقد خضع المغرب إلى ثلاثة أنواع من التدخلات الاستعمارية، كان أولها في طنجة بأقصى الشمال المغربي التي خضعت لنفوذ دولي، بينما خضع باقي ت ا رب شمال المغرب أو ما يعرف بمنطقة الريف ونواحيه، للنفوذ الإسباني (المنطقة الخليفية) الذي شمل الصحراء المغربية أيضا، أما الاستعمار الفرنسي فاستحوذ على باقي التراب المغربي.
ولم يعرف المغرب قبيل التدخل الاستعماري (قبل سنة 1912) تنظيما جهويا بالمفهوم الحديث، 22 إذ كان التراب الوطني مقسما في ظل الوحدة الترابية إلى مجموعات قبلية عديدة. فالتقسيم الجهوي آنذاك لم يكن تقسيما قائما على أسس تشريعية حديثة، بل كان عبارة عن بنيات جهوية تتميز ببساطة التركيب. وقد طرأ تحول على مستوى التوزيع القبلي بالمغرب في فترة القرن التاسع عشر والى حدود التدخل الاستعماري في المغرب، حيث أصبح التراب الوطني مفككا ومقسما إلى " بلاد مخزن" و "بلاد سيبة".
فالأولى هي التي بسط المخزن في إطارها سلطته كاملة وشاملة بواسطة أعوانه الغير المتمركزين، وفي جميع الميادين بما فيها الميادين المالية والجبائية والتجارية، أما الثانية فهي البلاد التي تحكم في إطارها القبائل نفسها بنفسها بعيدا عن تدخل المخزن رفضة تأدية الضرائب إياه، ومكتفية بالاعترف بالسلطة الدينية للسلطان. وشمل تراب المخزن السهول والهضبات الأطلنتية والمحاور الكبرى للطرق، وكان مقسما إلى ثلاث جهات، وهي جهة فاس شمال نهر أم الربيع، جهة تافيلالت وجهة مراكش. وكانت تتم مراقبة المجال انطلاقا من مراكز حضرية لعبت دور العواصم الجهوية مثل فاس ومكناس. أما التراب الذي لا تناله الأحكام المخزنية فشمل المناطق الجبلية المتمردة على السلطة المركزية.
وقد كان التنظيم المحلي بالمغرب قبل الحماية يتجسد في إطار تنظيم مخزني ممثل في خليفة السلطان، والذي عادة ما كان يتم اختياره من طرف السلطان من بين أفراد أسرته أو من بين أقربائه ويعين على رأس الإقليم. ويعد الخليفة الممثل الرئيسي للسلطان من الناحية الرمزية والسياسية والعسكرية، ويباشر ممارسة سلطاته عن طريق " مخزن صغير" مهيكل على غرار المخزن المركزي ، حيث يضم حاجبا وقائد مشاوري وكتاب إلخ... وتجدر الإشارة إلى أن هذا المنصب كثيرا ما مكان يؤدي بصاحبه إلى الارتقاء إلى منصب الخلافة والسلطنة، كما كان الشأن بالنسبة للمولى إسماعيل الذي كان خليفة على العرب، أو سيدي محمد بن عبد الله، ثم المولى حفيظ، اللذين كان قد وليا خلافة السلطان على الحوز.وكان السلطان يمارس سلطته في المدن بواسطة الباشوات الذين كان يطلق عليهم كذلك اسم العمال، وكان اختيار الباشا من رجال البلاط أو المخزن. ويتمتع الباشا بسلطات في المدينة كانت أكثر أهمية من سلطات خليفة السلطان، حيث كان يمثل السلطة المركزية ويعين من طرف السلطان لأجل المحافظة على النظام العام في المدينة وفرض احترام الظهائر الشريفة، وتطبيق أوامر السلطة المخزنية المركزية، كما يمارس الباشا السلطة التنظيمية بخصوص مختلف الأنشطة بالمدينة، وذلك بتفويض من السلطان، فضلا عن الفصل في المنازعات المرتبطة بالميدان الجنائي والميدان التجاري بتفويض من السلطان كذلك.
غير أن الأمر كان مختلف في بلاد السيبة التي عرفت نوعا من التدبير المستقل للشؤون المحلية، والذي تجسد في مؤسسة " اجماعة". فقبائل السيبة لم تكن تعترف سوى بالسلطة الدينية للسلطان الشريف، وكانت هذه القبائل تدير شؤونها بنفسها طبقا لتقاليدها وأعرافها، وذلك بواسطة مجلس " اجماعة"، وهو عبارة عن مجلس للأعيان يضم نخبة القبيلة، إذ يتم الاتفاق على اختيار أعضائه بالت ا رضي، ويتوفر على سلطة تقريرية في عدة مجالات كحل الخلافات والنزاعات وتنظيم استعمال الماء بين الأفراد وتدبير الملك العام وابرام التحالفات والهدن واعلان الحرب. ويقوم بتنفيد قرارات هذا المجلس عضو يسمى " أمغار" يتم اختياره من بين أفراد القبيلة، والذي يتمتع بنفوذ كبير ومكانة مرموقة. غير أن استقلالية هاته القبائل لم تكن تعني انفصالها التام عن السلطة المركزية، فاستقلال " اجماعة" كان يرتبط فقط بتدبير الشؤون الخاصة بالقبيلة، وتمرد القبيلة على المخزن لم يكن يرتبط برفضها تطبيق الشرع رفضا قاطعا، بل كان يرتبط أساسا برفضها أداء الضرائب للمخزن.
