لم يقتصر المشرع الجنائي على إضفاء الحماية على الأموال المنقولة، مادية كانت أو معنوية بل مدد هذه الحماية أيضا إلى العقار بالطبيعة، وإلى السلط التي يخولها القانون لحيازته. ولم تكن الغاية من هذه الحماية إحداث ازدواجية في وسائل الحماية القانونية إذا أخدنا في الاعتبار ما توفره قواعد القانون المدني للعقار من حماية مدنية للحفاظ على المصالح الخاصة، وإنما الغاية منها هي حماية النظام العام الذي يحتم على الدولة تحقيق الأمن والاستقرار في المجتمع باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع وقوع الجرائم التي تهدد أفراده وتهدد بالتالي المجتمع بكامله.
![]() |
| القواعد القانونية لحماية الأملاك العقارية جنائيا |
القواعد الموضوعية لحماية الأملاك العقارية جنائيا
وتحقيقا لهذه الغاية كان لابد من مواكبة وتطور الجريمة وتتبع أساليبها المعقدة عن كثب، لأجل مواجهتها المواجهة الملائمة المعقلنة بالوقاية أو الحد من أسبابها أو ردعها زجريا، أو العمل على إصلاح سلوك مرتكبيها وتهيئيهم للاندماج من جديد في المجتمع كمواطنين صالحين في إطار نظام عقلاني وإجرائي وقضائي مليء بالضمانات الكفيلة بتوفير المحاكمة العادلة. والسياسة الجنائية لا تنحصرفي وضع المبادئ العامة للمشرع الجنائي في المراحل الثلاث المتعلقة بالتجريم والعقاب والمنع، بل يجب عليها أن ترسم خطة وتصور عن كيفية الحد من الجريمة وحماية الإنسان ومن خلاله المجتمع ومكوناته ومؤسساته، كما أن هذه السياسة يجب عليها أن تضع نصب أعينها الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة( ).
الأمر الذي يجعل التساؤل القائم بخصوص السياسة الجنائية في ميدان التجريم والعقاب استطاعت أن تحد من الممارسات التي ترمي إلى الاعتداء على الأملاك العقارية؟ وهل المشرع الجنائي المغربي يذهب في اتجاه تشديد العقوبة على المعتدين أم أن السياسة العقارية ظلت محدودة؟ هل يمكن القول إن البعد الحمائي للجزاء قد عمل على تحصين الأملاك العقارية من كل الاعتداءات التي قد تطالبها؟ وكيف تعامل القضاء بكافة أصنافه مع هذا النوع من الحماية؟
إن الإجابة عن هذه التساؤلات سيكون من خلال حديثنا في هذا الموضوع عن قواعد الحماية الجنائية للأملاك العقارية سواء الموضوعية على مستوى العقوبات التي أسبغها المشرع الجنائي لحماية العقار كبنية وعلى حماية السلط الواردة عليه والتي يخولها القانون للحائز القانوني، وكذا أيضا من خلال التصرفات الواردة على الملكية العقارية. أو من خلال الحديث عن القواعد الإجرائية أو الشكلية والتي تتخلى أساسا بالقضاء سواء الواقف من حيث النظر فيه الشكايات والمحاضر وتكييف القضايا... أو ما يتعلق بالقضاء الجالس- سواء قضاء التحقيق أو قضاء الحكم- من حيث التطبيق القواعد القانونية على هذا النوع من القضايا المعروضة على أنظاره.
تعد الحماية الجنائية للعقار من أبرز تجليات اهتمام المشرع المغربي لصون العقار والحفاظ عليه من خلال تحديد العديد من العقوبات الزجرية في مختلف القوانين المرتبطة بالعقار، سواء من خلال حماية العقار بالطبيعة، أو من خلال حماية السلط التي يمارسها عليه مالكه أو حائزه بما تضمنه من قواعد موضوعيه لتجريم أفعال الاعتداء على العقار أو على السلط الواردة عليه، وتحديد العقوبات التي تطال مرتكبي هذه الجرائم. بحيث إن هذه الاعتداءات يترتب عنها آثار على مستوى العقوبةالتي قد تختلف من جناية إلى جنحة إلى مخالفة حسب نوع الجريمة المرتكبة وحسب التوقيت الذي ارتكبت فيه، وحسب نوع العقار الذي تم المساس به. وفيما يلي عرض لأهم القواعد الموضوعية لحماية بنية العقار ضمن (المبحث الأول)، وكذا القواعد الموضوعية لحماية السلط الواردة على العقار (المبحث الثاني).
المبحث الأول: الحماية الجنائية لبنيه الأملاك العقارية
تهدف الحماية لبنية العقار إلى الإبقاء على حجم ووزن الشيء وتلاحق جزئياته وتكامل خصائصه المادية الأساسية، وقد تعددت القواعد الموضوعية المخصصة لحماية بنية العقار واختلفت باختلاف أنواعه.
وقد تعرض المشرع الجنائي من خلال مجموعة القانون الجنائي إلى جرائم الاعتداء على بنية العقار في الفرع ثامن من الباب التاسع المتعلق بجرائم الأموال العقارية تحت عنوان التخريب والتعييب والإتلاف في الفصول 580 إلى 590، ومن 597 إلى 600، ومن الفصول 604 إلى 608 على غرار ما فعله القانون الفرنسي )المادة 434 وما يليها معتبرة من جهة أن جرائم الإحراق تندرج ضمن جرائم التخريب والتعييب والإتلاف، ما دام كل منها يؤدي إلى تدمير العقار، وإن كانت الأولى تتم بإضرام النار وما عداها بواسطة المفرقعات و المتفجرات، أو أي وسيلة أخرى، ومن جهة أخرى فإن هذه الجرائم وإن كانت قد تصيب الأشخاص بطريق التبعية فإنها تصيب الأموال العقارية أولا وبالذات، ولذلك فإن جرائم الاعتداء على الأشخاص تكون خاضعة للنصوص الجنائية التي تعاقب عليها، باستثناء ما يقع منها أثناء الاعتداء على العقار بالإحراق أو بأية مادة متفجرة مما يقع تحت نص من النصوص المتعلقة بها. ويمكن تقسيم الجرائم المذكورة في النصوص السالفة الذكر إلى عدة تقسيمات بحسب الزاوية التي ينظر إليها منها. فمن حيث طبيعتها تنقسم إلى جنايات الفصول (580 إلى 584) وجنح) الفصل 60 ومخالفات) الفصل 608/5 ومن حيث ركنها المادي (القصد الجنائي) إلى جرائم عمدية وجرائم غير عمدية. ومن حيث الوسيلة المستعملة فيها جرائم الحريق، وجرائم التخريب، وجرائم الإتلاف. ولإبراز الحماية الجنائية للعقار فيما يتعلق ببنيته، سوف نتبع النهج الذي سار عليه المشرع المغربي والذي من خلاله اعتمد على الوسيلة المستعملة في ارتكاب الجرائم الواقعة على العقار بذاته لأجل ذلك سوف نتطرق في المطلب الأول لجرائم إحراق العقار بينما سنحاول تخصيص المطلب الثاني لجرائم تعييب وإتلاف العقار.
المطلب الأول: جرائم إحراق العقار
تعد جرائم الإحراق من أشد الجرائم خطورة التي تصيب بحيث تنتج عنها مجموعة النتائج الوخيمة سواء على المستوى المادي للعقار أو المعنوي لمالكه، فهي تتعدى الإضرار بالأملاك العقارية في حد ذاتها إلى جريمة ضد الأمن العام. ويعتبر الحريق جريمة خاصة في كل التشريعات فهو يشترك في نتائجه مع الجرائم التي تقع على الأموال من جهة والجرائم التي تقع على الأرواح من جهة أخرى، لما قد تؤدي إليه من هلاك الأموال العقارية والأرواح معا. وقد سار المشرع المغربي على نهج المشرع الفرنسي المادة عندما أدرج جرائم الإحراق ضمن الجرائم التي تقع على الأموال.
يعد القصد الجنائي في جرائم الإحراق من الأهمية بما كان، الأمر الذي يستدعينا إلى تقسيم هذا المطلب إلى فقرتين، حيث سنتعرض في (الفقرة الأولى) لجرائم إحراق العقار العمدية، وهي التي تضم جنايات الحريق، في حين سنخصص (الفقرة الثانية) لجرائم الإحراق غير العمدية والتي تضم الجنح والمخالفات.
تتميز جناية إحراق العقار بالنظر إلى خطورتها والتي تظهر من جسامة العقوبة التي قررها المشرع في حق الفاعل، ولقد تعرضت إلى هذه الجنايات وإلى عقوبتها الفصول 580 إلى 584 من ق. ج، وقد ميزت هذه الفصول بين المحلات العقارية المسكونة أو المعدة للسكنى، و غيرها من المحلات العقارية الأخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار عنصر الملكية في بعض الحالات، كما تميز من جهة أخرى بين هذه المحلات وغيرها من أنواع العقارات كالغابات و المزروعات القائمة، وللإشارة ما دامت الفصول المشار إليها أعلاه تشمل الأموال العقارية والأموال المنقولة فإن دراستنا ستقتصر فقط من هذه الناحية على حماية الأملاك العقارية موضوع الدراسة. وسيرا على النهج أعلاه سوف نتولى دراسة جناية إحراق العقار وفي المقتضيات القانونية وذلك في ثلاث نقط.
أولا: جناية إيقاد النار في المحلات العقارية المسكونة أو المعدة للسكنى ورد النص على جناية إيقاد النار في المحلات العقارية المسكونة أو المعدة للسكنى في الفصل 580 من ق.ج والتي ينص على أنه:" من أوقد النار عمدا في مبنى أو بيت أو مسكن أو خيمة أو مأوى ثابت... إذا كانت هذه المحلات مسكونة أو معدة للسكنى، وعلى العموم في أي محل آخر مسكون أو معد للسكنى سواء كان مملوكا له أو لغيره، يعاقب بالإعدام." يستفاد من النص أعلاه وخصوصا عبارة "محلات مسكونة أو معدة للسكنى" أن المشرع الجنائي أخذ في إصدار العقوبة بالنتيجة الإجرامية وخطورة الجناية والقصد الجنائي، بحيث لم يضع الاعتبار الأول للمال العقاري أو الملكية العقارية المحروقة وإنما راعى بالدرجة الأولى أرواح الناس التي يمكن أن تزهق بفعل ارتكاب هذه الجناية. هذا وتتمثل الأركان المعونة لجناية إيقاد النار في المحلات المسكونة أو المعدة للسكنى فيما يلي: نوع فعل الإحراق) 1(، نوع الشيء المحروق) 2 - (، ثم العقد الجنائي )3 - ( وأخيرا العقوبة المقررة لهذا الفعل )4.
- العنصر الأول: فعل إيقاد النار
يشكل فعل الإحراق الركن المادي للجريمة، ولقد عبر المشرع الجنائي عن هذا الركن بقوله" من أوقد النار"، ولا أهمية للوسيلة التي استعملت من أجل إيقاد النار، لأن المشرع لا يتطلب في الطريقة التي تمّ بها الإيقاد ولا المادة التي يحصل بها أي شرط معين، ما دامت المادة المستعملة تؤدي إلى إشعال النار. ولذلك يعتبر هذا العنصر متوفرا سواء وقع الإيقاد في الشيء المراد إحراقه بطريقة مباشرة أو بواسطة شيء آخر قصد تمديد أو انتقال الحريق إلى العقار حسب ما هو منصوص عليه صراحة في الفصل 583 من ق.ج. فيستوي أن يكون إيقاد النار بأعواد الكبريت أو سيجارة مستعملة أو بصب نوع من الزيوت أو الغازات أو المواد سريعة الالتهاب، أو استعمال مواد كيماوية أو تسليط تيار كهربائي، أو غيرها من الوسائل، بل الضروري فعل وضع النار. ولا يلزم لتوفر الركن المادي أن توضع النار في المحل المسكون أو المعد للسكنى بينما يوجد به فعل أحد الأشخاص، فرغم أن العقوبة المشددة روعي فيها احتمال إصابة النار للشخص ولو احتمالا ضعيفا إلا أن الجريمة لا يتوقف قيامها على إثبات هذا الاحتمال لأنه قائم في الحكمة من التجريم لا في التجريم ولذا فإن الجريمة تتحقق ولو كان واضع النار في المكان هو المقيم وحده فيه.
ويلاحظ من خلال الفصل 580 منق.ج أن المشرع لم يشترط صراحة اشتعال النار ولا ضرورة الإحراق التام، فالفعل المجرم هو إضرام النار وليس إحراق الشيء وبالتالي فالجاني يعاقب على فعل إضرام النار متى ضبط وهو يشعل النار أو تم ضبطه أثناء محاولة إيقاد النار الكلي في المسكن لكن حالت ظروف معينة دون ذلك ووقع إشعال بسيط للنار، فَعِلَّة التجريم هي خطورة النار وصعوبة السيطرة وجسامة ما ينتج عنها من خسائر التي لا يمكن تقدير قيمتها ولا مقدارها النهائي. ويستخلص من الفصل580 من ق.ج أن المشرع عاقب على الشروع في الأفعال التنفيذية للجريمة، على اعتبار أن الجاني قام بتنفيذ فعله الإجرامي وإن كان مبتغاه لم يتحقق لظروف خارجة عن إرادته، فعناصر المحاولة في هذه الحالة متوفرة و هي البدء في التنفيذ وانعدام العدول الإداري وبالتالي فهو يستحق العقوبة المقررة للجريمة التامة، وبهذا نجد الفصل 114 من ق. ج ينص على انه:" كل محاولة ارتكاب جناية بدأت في الشروع في تنفيذها أو بأعمال لا لبس فيها تهدف مباشرة إلى ارتكابها، إذا لم يوقف تنفيذها أو لم يحصل الأثر المتوخى إلا لظروف خارجة عن إرادة مرتكبيها، تعتبر كالجناية التامة و يعاقب عليها بهذه الصفة" إذن فكل فعل كان الهدف منها هو إحراق العقار ولم يكتمل هذا المشروع الإجرامي يعتبر فعلا تاما يشكل جناية الإحراق العمدي للعقارات المسكونة أو المعدة للسكنى.
وبالتالي فالجدير بالإشارة إلى كون المشرع المغربي لم يشترط في الحريق تحقق عنصر الضرر الفعلي، بل اكتفى بإيقاد النار عمدا لما يتضمنه من ضرر محتمل الوقوع وعلى هذا النحو سارت محكمة النقض المصرية فقضت بأن الجريمة تكون تامة بمجرد وضع النار عمدا في أحد الأمكنة الواردة بالنص سواء اشتعلت النار أم لم تشتعل. فإذا كان الثابت بالحكم أن التهمة قذف كرة مشتعلة في مخزن لإحراقه ولم يتحقق الغرض ولم تلتهم النار شيئا من محتويات المخزن.
